مصر من الدولة إلى القبيلة – فهمي هويدي – المقال الاسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/07/blog-post_28.html
أرأيت الذي جرى لمصر خلال العقود الأخيرة. التي تراجعت فيها فكرة الدولة بصورة تدريجية، الأمر الذي أعادها إلى عصر القبيلة من أوسع أبوابه?
للعلم فقط: في ظل ولاية الفقيه بإيران لا يملك المرشد قرار حل مجلس الشورى المنتخب. وحين تظاهر خبراء وزارة العدل مطالبين بإنصافهم فإن اللافتة التي رفعوها ونشرت صورتها مختلف الصحف تضمنت عبارة واحدة هي: أغثنا يا سيادة الرئيس.
العبارة ذاتها كتبت على لافتة أخرى رفعها نفر من المحامين صدر لصالحهم 45 حكما من المحكمة الإدارية العليا قضت بأحقيتهم في التعيين بهيئة قضايا الدولة. وحين اختلفت هيئة المجتمعات العمرانية مع هيئة الآثار حول مد طريق في إحدى مناطق الساحل الشمالي.
فإن الإشكال لم يحل إلا حين تدخل الرئيس ووافق على شق الطريق. وحين ثارت مشكلة بين محافظ الإسكندرية والبابا شنودة بسبب هدم مبنى غير قانوني تابع للكنيسة في منطقة كنج مريوط. فإن الرئاسة تدخلت لاحتواء الأزمة وأمرت بترميم البناء.
ليست هذه حالات استثنائية ولكنها ظاهرة مستمرة. كل فئة تواجه مشكلة مع الإدارة فإنها لا تجد سبيلا لحلها إلا باللجوء إلى الرئيس. وهذا يحدث على مستوى الأفراد أيضا حين تصل مشكلاتهم إلى مسامع الرئاسة. وقصة تلميذة الدقهلية «آلاء» التي ألغي امتحانها لأنها انتقدت الحكومة في موضوع للإنشاء، لم يسمح لها بالاستمرار في الدراسة إلا بعد أن صدرت الإشارة من رئاسة الجمهورية.
حتى الوزراء الذين يدخلون أو يخرجون. فإن مصيرهم تحدده الرئاسة. ولايزال الخروج المفاجئ لوزير الري الدكتور محمود أبوزيد سرا مفتاحه هناك. ذلك يسري بذات القدر على تمسك الرئاسة بترشيح وزير الثقافة فاروق حسني لمنصب مدير اليونسكو رغم ضعف حظوظه. وهو قرار حير الجميع وأثارت أسبابه- ومازالت- لغطا كثيرا. وهو يسري بقدر أكبر على التعيين المفاجئ لوزير الإسكان السابق محمد إبراهيم سليمان في منصب رئيس شركة خدمات البترول البحرية. وهو ما بدا لغزا صادما وعصيا على الفهم خصوصا في ظل سجل التجاوزات الحافلة المنسوبة إليه، تلك التي دفعت 48 نائبا بمجلس الشعب إلى تقديم بلاغ ضده إلى نيابة الأموال العامة، لم يعرف مصيره.
وخطورة هذا القرار ليست فقط في كونه يعيد إلى الأضواء وزيرا لاحقته السمعة السيئة التي بسببها خرج من الوزارة، وإنما أيضا في أنه يعبر عن الاستهانة الشديدة برأي الناس. إذ تبعث إلى الجميع برسالة تقول إن الرأي رأي الرئاسة وحدها، ولا قيمة أو وزن للرأي العام.
ليس الأمر مقصورا على شخص الرئيس. وإنما أدرك كثيرون أن أسرته باتت مركز القوة والقرار، حتى تحدث العنوان الرئيسي لصحيفة «الدستور» (عدد 12 ــ 7) عن «انتشار ظاهرة التوسل بجمال مبارك». وبعض المناشدات التي توجه إلى الرئيس تعمد أحيانا إلى إيراد اسم الابن جمال والسيدة قرينة الرئيس، التي تلجأ جهات عدة إلى استخدام اسمها وربما بغير علمها. لإنجاز مصالحها وتجاوز ما يصادفها من عقبات.
إن وظيفة «كبير العائلة» التي ابتدعها الرئيس أنور السادات ولم يمهله القدر لكي يمارسها، أصبحت واقعا في عهد خلفه. واستقر ذلك الواقع حين طالت سنوات حكم الرئيس مبارك. بفضل التعديل الذي أدخله السادات على الدستور، وأطلق بمقتضاه فترات ولاية رئيس الجمهورية، التي كانت محددة بمدتين فقط. وحين يكون المرجع «هو كبير العائلة» فذلك يعني أننا صرنا في واقع لا يحتكم فيه الناس إلى نظام أو قانون يقرر الحقوق والواجبات.
في العام الذي سبقه (2007) حدثت قصة مماثلة. إذ قدم مشروع بخصوص تقرير عقوبة الحبس في الجرائم التي تقع بطريق النشر. (كان من بينها التشكيك في الذمة المالية) وكانت الأغلبية مع فرض تلك العقوبة. الأمر الذي أدى إلى تمرير المشروع أمام اللجنة التشريعية وفي الجلسة الأخيرة التي كان يفترض أن تتم فيها الموافقة النهائية عليه، أعلن الدكتور فتحي سرور رئيس المجلس أنه تلقى اتصالا من رئيس الجمهورية طلب فيه إلغاء العقوبة. وهو ما استجاب له المجلس على الفور، بحيث انقلب موقف الأغلبية بنسبة مائة في المائة. حيث تحول رأيها من الموافقة على المشروع والحماسة له، إلى معارضته ورفض تمريره. الطريف أن الدكتور سرور قال في الجلسة إن الرئيس باعتراضه على تلك المادة «أعطى درسا للحكومة»، ولم يشر إلى المجلس الذي يدخل التشريع في صميم اختصاصه وليس الحكومة.
في عام 2006 حدث ما هو أفدح وأفصح. ذلك أنه بعد صدور قانون إلغاء محاكم أمن الدولة وتوزيع اختصاصاتها (في سنة 2003) قدم إلى مجلس الشعب مشروع يقضي بإضافة نص إلى قانون الإجراءات الجنائية يعطي النيابة العامة سلطة حبس المتهم لمدة ستة أشهر بدلا من 45 يوما دون أن يعرض على قاضيه الطبيعي. وهو نص معيب تضمنه قانون محاكم أمن الدولة الاستثنائي. هوجمت المادة المقترحة (206 مكرر) من جانب أغلب الأعضاء. وكان الدكتور سرور من بين الذين اعترضوا عليها. وقال في جلسة عامة (عقدت فى ١١ / ٦/ ٢٠٠٦) إن هذه المادة لا تتفق مع روح القانون، وأن مكانها قد يكون قانون الطوارئ أو قانون الإرهاب، لكنها لا ينبغي أن تكون جزءا من القانون العادي.
أسفر الجدل في مجلس الشعب على موافقة الأغلبية على حذف المادة. وحين أرسل المشروع إلى الحكومة لإصداره، فإنها ردته إلى المجلس مرة أخرى في 3 /7 وطلبت إعادة المداولة في المادة المحذوفة. وهو ما دفع الدكتور سرور إلى طلب إعادة التصويت عليها مرة أخرى.
كان واضحا أن هناك تعليمات عليا بإعادة المادة وتوسيع سلطة النيابة العامة في الحبس، فما كان من الأغلبية إلا أن غيرت موقفها، وأيدت المادة التي سبق أن اعترضت عليها. في هذه الحالات الثلاث لم يكن مجلس الشعب مشرعا ولا «سيد قراره» كما يشاع. لكنه في حقيقته كان يؤدي وظيفة الامتثال للرغبات «العليا». وإذا كان ذلك شأن من يفترض أنهم منتخبون من الناس، فلك أن تتصور النفوذ الذي أصبح يمارسة كبير العائلة في أوساط السلطتين الأخريين التنفيذية والقضائية.
تحدث المستشار البشري أيضا عن عملية تفكيك أجهزة السلطة التنفيذية وإعادة تشكيلها بحيث يتم التحكم فيها. فذكر أن النظام السياسي نجح في السيطرة على القيادات العليا للدولة، من خلال ما ابتدعه من نظم وقوانين تقرر مددا قصيرة لهذه القيادات في وظائفهم وأعمالهم. ثم منح نفسه بهذه النظم والقوانين سلطة المد لهم في أعمالهم سنة بسنة أو سنتين بسنتين أو ثلاثًا بثلاث. وذلك بالمشيئة الذاتية لرئيس الجمهورية أو من يمثله. وقد وضع هذا النظام لقيادات الدولة المدنية ولقيادات القطاع العام وللقيادات العسكرية ولقيادات الشرطة، وذلك إحكاما للقبضة الفردية. وبهذا الأسلوب تم هدم النظم القائمة، بما تضمنته من تراتب وهياكل وأبنية. لصالح تكريس الإرادة الفردية. وهو ما وصفه بأنه مسعى لشخصنة الدولة، التي في ظلها «اندمج النظام القانوني في المؤسسات القائمة على التنفيذ والخاضعة للإرادة الشخصية المتوحدة على قمة الدولة». والقائم عليها «يسيطر بذاته على مفاتيح السلطة، وتصير آلة الحكم وأجهزته كلها تحت إمرته. ولا يقيده إلا الإمكانات المادية للدولة وأجهزتها في الحركة والنفوذ». وهو ما يسلط الضوء على الكيفية التي تم بها تهميش المؤسسات بعد إضعاف دور النظام والقانون.
كما أن المؤسسة ضرورية لتجنب شرور الحكم المطلق. وحين تغيب أو تضعف سلطة القانون بحيث تصبح إرادة الفرد هي الفاصلة أو هي التي تتلاعب بالقانون. وحين تفرغ المؤسسات من مضمونها، بحيث تصبح هياكل خاوية بلا دور حقيقي، حينئذ تصبح الدولة اسما على غير مسمى. ويغدو النظام أقرب إلى القبيلة منه إلى الدولة. بل ربما أصبحت الدولة مماثلة للقبيلة في أضعف حالاتها. لأن القبيلة في صورتها الحية، لها مجلس من أعيانها ولها أعرافها التي غدت قانونا يحكمها مسلَّما به.
أما القبيلة الأضعف فهي تلك التي يغيب فيها العرف والقانون ويصير شيخها هو صاحب الأمر والنهي فيها، وتصبح الأسرة هي المؤسسة الوحيدة المعترف بها. وإذا استمر الوضع الراهن فأخشى أن يستمر تراجعنا بحيث ننسى تماما فكرة الدولة ويصبح أملنا يوما ما أن نستعيد صورة القبيلة في عافيتها وحيويته
.......................