الأحد، 24 أغسطس 2008

رياضة فكريه – فهمي هويدي



صحيفة الدستور المصريه الأحد 23 شعبان 1429 – 24 أغسطس 2008

رياضة فكريه – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/8/657159.html

منذ احترق مجلس الشورى، وتجاوبا مع مشاعر الشماتة التي استقبل بها الحدث في أوساط الرأي العام المصري، راودتني فكرة لا أستطيع أن أدافع عن براءتها، يلخصها السؤال التالي: لو أنك علمت أن احد المباني العامة قد حل عليه الدور في الاحتراق في يوم معين، ما هي الاسماء التي تقترح دعوتها للاجتماع في ذلك اليوم؟ ليست لدي إجابة نموذجية عن السؤال، لكن لدي عدة نقاط أسجلها للاسترشاد بها في محاولة الإجابة،

أولها أنك يجب أن تحذر من الاستعانة بأي صديق، لسبب جوهري ينبغي ألا يغيب عن فطنتك، هو أن ذلك الصديق قد يبلغ أمن الدولة بالخبر، الأمر الذي سيؤدي حتما الى إفشال العملية، وبذلك نخسر «فرصة تاريخية» لإراحة الناس والبلد من بعض مصادر التعاسة والكرب.

النقطة الثانية أن الاجتماع المذكور سيكون محليا بحتا، بالتالي فلا داعي لترشيح احد من خارج مصر رغم أن منهم من يستحق الضم الى الاجتماع، ليس فقط لأن المبنى قد لا يتسع لاستقبالهم، ولكن ايضا لأن هؤلاء -على العكس منا تماما- يعيشون في اقطار يملك فيها الناس وسائل اخرى للتعبير عن الغضب والرفض وتصفية الحسابات. وما حدث مع الرئيس مشرف في باكستان دليل على ذلك.

النقطة الثالثة أن استهداف أي مبنى ينبغي ألا يخطر على بال أي احد، خصوصا ان لدينا في مصر مباني عزيزة علينا، تفوق في قيمتها قدر الجالسين فيها. وهي بغيرهم افضل وأجمل بكثير، لكن الحاصل ان بعضا من شاغلي تلك المباني أساءوا إليها وإلى البلد بشكل فادح، الأمر الذي وضعنا أمام خيار صعب. أصبحنا بمقتضاه مضطرين إلى التضحية بتلك المباني لإنقاذ البلد من الانهيار. ولأن الضرر الأدنى يقدم على الضرر الأكبر، فإن انهيار مبنى يمكن احتماله والقبول به، إذا كان ذلك مؤديا إلى انقاذ البلد بأسره من الانهيار.

النقطة الرابعة أن الاجتماع الذي ستتم الدعوة إليه، سيكون اجتماع عمل، وبالتالي فينبغي ألا يخطر على بال أحد انه ستلقى فيه خطبة افتتاح من ذلك النوع الذي يتحول فور إلقائه الى «خطة عمل»، خصوصا أن مثل هذه الطقوس عادة ما تتطلب اتخاذ اجراءات أمنية طويلة ومعقدة، قد تؤدي الى تضييع «فرصة» اشتعال الحريق.

النقطة الخامسة أنني بإلقاء السؤال لا أدعو احدا إلى أن يبعث إلي بترشيحات لأي قوائم، لسبب جوهري هو أنني لن أستطيع أن أنشرها، وإذا نشرتها فإن الجريدة لن تصل الى القارئ، وإنما ستجمع من الاسواق لتحفظ في «مكان أمين»، هذا إذا سمح بطبعها أصلا، ولم تتعرض لما تعرضت له جريدة «البديل» قبل أيام، حين رفضت الماكينات -من جانبها ودون أي تعليمات- أن تدور لإصدار طبعتها الثانية، انما غاية المراد من طرح السؤال ان يحاول كل قارئ من جانبه، وفي نطاق عائلته على الاكثر، أن يمارس نوعا من «الرياضة الفكرية»، التي تشحذ الذهن، وربما اشاعت في النفوس قدرا من الراحة، لأن مثل ذلك «العصف الذهني» قد يبعث لدى الناس أملا في امكان انقشاع الغمة وزوال الكرب.

النقطة السادسة أن احتمال إخماد الحريق وضياع «الفرصة التاريخية» التي يوفرها مستبعد تماماً، الأمر الذي يعني أن العملية مضمونة بنسبة 99 ٪ إن لم يكن 100 %، لأن تجربة حريق مجلس الشورى أكدت أن احدا لم يفكر في تأمين المباني العامة ضد الحريق، فضلا عن أن الأجهزة المعنية بالإطفاء سقطت في الاختبار وأثبتت عجزا وإفلاسا لا نظير له. كما أثبتت تلك التجربة أن مفهوم الأمن عندنا سياسي بحت، ينحصر في الحفاظ على سلامة قيادات النظام فحسب، أما أمن المجتمع فلا يدخل في اختصاصها، ويبدو انه متروك للناس يباشرونه بأنفسهم، بدليل إلزام كل صاحب سيارة أو ميكروباص بحمل «طفاية» معه لمواجهة الحرائق، والامتناع عن صرف رخص السيارات ما لم يتم توفيرها.

أخيرا فإنني لم أفكر في المكان الذي يمكن أن يعقد فيه الاجتماع المذكور، لأن ذلك متروك للذين يدبرون العملية، لكنني لا أخفي قلقا من عدم توافر مكان يستوعب الأعداد المرشحة للمشاركة في الاجتماع، ومن باب الاحتياط فربما كان مفيدا ترتيب المدعوين بحسب أهميتهم، بحيث يحتل السياسيون المقدمة، وبعدهم الإعلاميون ثم الفاسدون من رجال الأعمال وبعدهم المسؤولون عن تعذيب الناس.. إلخ. وفي كل الاحوال فإن الدائرة لا ينبغي ألا تتجاوز حدود رموز الفساد والظلم في البلد، مع ذلك فأخشى ما أخشاه أن يتوسع البعض في القوائم بحيث يصبح ستاد القاهرة هو المكان الوحيد المرشح لإشعال الحريق المفترض.

2 التعليقات:

غير معرف يقول...

فعلاً هي رياضة فكرية هامة ويمكن أن نطلق عليها فضفضة أو تفريغ انفعالات!

م/محمود فوزى يقول...

اشكرك على التعليق
وهى كما قلت رياضة فكريه
ولكن ايضا استدلال على مكانه هؤلاء المسئولين -الذين سيفكر فيهم كل واحد - فى وجدان الشعب

وهو عكس المنطق فمن المفترض ان يكون المسئول فى موضعه لان الناس تريده
فما بالنا اذا كان الناس يتمنون له مثل تلك الاشياء
ربنا يرحمنا

فى النهايه ادعوك لزيارة مدونه نضع بها مقالات الاستاذ الكبير فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.jeeran.com
ذلك بعد توقف مؤقت -من قبل الموقع- للمدونه السابقه
http://fahmyhoweidy.blogspot.com
واتمنى ان يسمح الموقع بعودتها قريبا

Delete this element to display blogger navbar