الجمعة، 22 أغسطس 2008

استفتاء لم يُزوَّر – فهمي هويدي

صحيفة الدستور المصريه الجمعة 21شعبان 1429 – 22 أغسطس 2008

استفتاء لم يُزوَّر – فهمي هويدي

http://egyptandworld2.blogspot.com/2008/08/blog-post_22.html

أتمنى أن تؤخذ على محمل الجد تعليقات المصريين على احتراق مجلس الشورى، خصوصا تلك التي ظهرت على مواقع الانترنت، والتي عبرت جميعها وبلا استثناء عن مشاعر سلبية للغاية، لأن احدى مؤسسات النظام القائم أتت عليها النيران حتى دمرتها بالكامل.

وأخشى ما أخشاه أن يحذو أهل القرار حذو الصحف القومية التي تجاهلت ردود أفعال الناس، في حين ان الصحف المستقلة المعارضة أبرزت هذه الاصداء وسجلت بعضها، ذلك ان التجاهل في هذه الحالة بمنزلة دفن الرؤوس في الرمال، ويعبر عن التغابي والاستعباط. وهو امر ان جاز في بعض الأمور فإنه لا يجوز حين يتعلق الأمر بمصير الوطن. ان شئت فقل ان التعليقات كانت نوعا من الاستفتاء الشعبي على الثقة في أدوات النظام ومنابره. وأهميته انه تلقائي ولم تمتد اليه يد التزوير بعد، لانه تم بعيدا عن يد السلطة ومتناول اجهزتها.

وإذا اردنا ان نأخذه حقا على محمل الجد فيتعين علينا ان نبدأ بالتحقق من حجم تلك التعليقات وطبيعة الشرائح التي شاركت فيها، وهو ما يقودنا الى معرفة طبيعة «العينة» التي شاركت في الاستفتاء، بعد ذلك يجب ان يقوم اهل الاختصاص بتحليل مضمون التعليقات لمعرفة حقيقة مشاعر ومواقف العينة المشاركة. لم يكن بمقدوري ان احصي اعداد المشاركين ونوعياتهم، لكنني أجريت تحليلا متواضعا للقدر من التعليقات الذي وقعت عليه. تبين منه ما يلي:

* ان احدا لم يعبر عن أسفه لما جرى، وإنما كانت الشماتة، والفرحة قاسما مشتركا اعظم بينها.

* ان نسبة عالية من المشاركين بلغ بهم السخط حدا جعلهم يأسفون على شيء واحد، وهو ان الحريق تم اثناء العطلة البرلمانية، وتمنوا لو حدث الحريق في وجود الاعضاء.

* ان نسبة معتبرة من المعلقين تمنوا ان تكون هذه بداية للتخلص من المؤسسات التي اغتصبت السلطة من الشعب وفرضت نفسها وصية عليه وسوطا يلهب ظهره، كما قال اكثر من واحد.

* آخرون اعتبروا ما جرى احراقا للديموقراطية المزورة.

* بعض المعلقين تساءلوا عما اذا كان الهدف من الحريق هو بيع الارض للمحاسيب والمستثمرين الذين نهبوا البلد وسرقوا ثروته العقارية.

* البعض الآخر قالوا ان الحريق الذي اصاب مجلس الشورى تسبب في اشعاله رذاذ حريق الاسعار الذي حرق دم المصريين جميعا.

* عدد منهم شبه ما جرى لمجلس الشورى بأنه نموذج لحال البلد، الذي يمكن ان تجتاحه النيران في لحظة زمن، في حين تعجز محاولات اطفائها، لانعدام عوامل الامان.

لو أن نصف او حتى ربع هذه الانطباعات صحيح لكان ذلك مبررا كافيا للقلق، لأنه يعني ان تحذيرات بعض الكتاب والسياسيين من خطورة المرحلة الراهنة التي يبدو فيها الوطن عربة مندفعة بقوة على منحدر ينتهي بكارثة من العيار الثقيل، واقعية. ولا تكمن الخطورة فقط في ان الجماهير في حالة رفض للسياسات المتبعة، وسخط ونقمة على النخبة التي بيدها الأمر، ولكنها تكمن ايضا في أن السلطة التي بيدها الأمر اصبحت غير قادرة على اقناع الناس بجدواها او استمرارها.

وحين يكون الشعب غير قادر على احتمال السلطة، وتكون السلطة عاجزة عن القيام بمهامها ازاء الناس ومن ثم كسب ثقتهم واحترامهم، فإن الخبرة التاريخية تشير الى ان هذه عادة ما تكون لحظة السقوط او الانفجار جراء اي فعل بسيط. ذلك لم يحدث فجأة بطبيعة الحال، ولكنه نتيجة تراكم احباطات ومرارات استمرت لأكثر من ثلاثة عقود، جرى خلالها تفكيك الوطن وسقوط الهيبة وضياع الأمل، وتزايد معاناة الناس وانكسارهم جراء قسوة الحياة التي تتضاعف وطأتها حينا بعد حين، المدهش في الأمر ان ذلك كله يحدث في حين ان الحكومة تبدو ذاهلة عما يجري، وممعنة في سياساتها التي تواصل بها الضغط على الناس.

ولا غرابة بعد ذلك في ان يجد البعض أن اشتعال الحريق في مبنى مجلس الشورى وما يمثله او يرمز له يشفي غليلهم ويصفي حسابهم مع حكومة «غير صديقة» احتقرتهم وأهانتهم وأجهضت حلمهم في غد أفضل، بعدما صار كل غد أسوأ من سابقه.

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar