الأربعاء، 20 أغسطس 2008

حين ماتت السياسة - فهمي هويدي

صحيفة الدستور المصريه الأربعاء 19شعبان 1429 – 20 أغسطس 2008

حين ماتت السياسة - فهمي هويدي

http://egyptandworld2.blogspot.com/2008/08/blog-post_20.html

لا يستطيع أي عقل سياسي رشيد أن يجد تفسيرا معقولا لهذا الذي تفعله الحكومة المصرية بالناس. ولا أتصور أن تكون الحكومة قصدت أن تعبئ الناس بالمرارة والغضب وأن تشيع بينهم الشعور بالبؤس واليأس، بما يدفعهم دفعا الى لحظة الانفجار.

وسيكون مدهشا للغاية أن يغيب ذلك الاحتمال الخطر عن تقدير أصحاب القرار بحيث لا يعرفون أن إجراءاتهم تحدث ذلك التأثير السلبي، الذي يمكن أن يهدد السلام الاجتماعي، ولا يستبعد له أن يهدد الاستقرار السياسي والنظام السياسي. ولأن الأجهزة الأمنية مفتوحة الأعين والآذان وراصدة لكل ما يجري في البلد طوال الوقت، فإنني أشك كثيرا في أن تتجاهل تقاريرها حقيقة أن البلد يغلي وأن طاقة الناس على الاحتمال كادت تنفد، الأمر الذي يدعوني إلى القول إنها مصيبة لا ريب ألا تنبه تلك التقارير أولي الأمر إلى خطورة التفاعلات التي تعتمل في البلد. أما إذا كانت قد قامت بواجبها ولم تقصر في التنبيه والتحذير، ثم لم يكترث أولو الأمر وأصحاب القرار بهذه المعلومات، فإن المصيبة في هذه الحالة ستكون اعظم بمراحل،

في الوقت ذاته فإنني أكاد أزعم أن الذين يريدون أن يتآمروا على البلد، ولا يتمنون له خيرا لم يعودوا بحاجة إلى بذل أي جهد لتكدير عيش الناس فيه وتحريضهم ضد السلطة، لأن ما تفعله الحكومة المصرية يحقق لهم ما يريدونه وزيادة، إذ في ظل الإجراءات التي تتخذها بين الحين والآخر لم يعد مطلوبا منهم سوى مراقبة المشهد عن بعد، والمراهنة على عنصر الوقت والكف عن تدبير أي مؤامرات لدفع البلد الى الهاوية.

انك اذا القيت نظرة على الاحداث التي تلاحقت خلال العام الاخير. فسوف تفاجأ بانها بمنزلة ضربات موجعة للناس، بعضها قصمت ظهورهم عمليا، والبعض الآخر دمرتهم نفسيا. الاولى انزلت بهم اذى لا يحتمل والثانية أفقدتهم الثقة في السياسات القائمة واقامت حاجزا نفسيا بين المجتمع والسلطة. حتى أصبحنا بإزاء مجتمع لم يعد يثق في الحكومة او يتوقع منها خيرا، وحكومة تعامل المجتمع بازدراء ولا تعمل له أي حساب.

من يصدق مثلا انه خلال العام الاخير رفعت الحكومة الاسعار فاطلقت غول الغلاء على الناس، بحيث لم تعد هناك سلعة او خدمة لم تتضاعف اسعارها عدة مرات. واصدرت قانون الضرائب العقارية لتجبي مزيدا من الاموال وتحمل اصحاب المساكن اعباء مالية جديدة تضاف الى العوائد التي يدفعونها. ثم تصدر قانون المرور الذي تنصب به مذبحة في الشارع المصري، وفي الوقت ذاته تجدد قانون الطوارئ الذي يطلق يد الشرطة في المجتمع ويؤيد حكم الاستثناء الذي يهدد حرية كل مواطن. وتنصب المحاكمات لمختلف فئات الغاضبين والمحتجين. من شباب الفيس بوك إلى عمال المحلة وبدو سيناء. وهو ما يتزامن مع معاناة الناس من ازمة الخبز وشح المياه واكتشاف تسريب الامتحانات وزيادة البطالة وانهيار الخدمات العامة، وتبرئة المسؤولين عن قتل اكثر من الف مواطن مصري في قضية عبّارة الموت. والتستر على المتهمين في قتل المطربة اللبنانية في دبي. والحكم بالسجن على الدكتور سعد الدين ابراهيم في تهمة الاساءة الى سمعة البلد... الخ.

هذا التتابع المدهش الذي يرفع من وتيرة الاحتقان والغضب لدى الناس يدل على ان الاداء السياسي يفتقر الى الحد الادنى من الكياسة وحسن التدبير، وتزداد دهشة المرء حين يلاحظ ان ذلك الاداء وهو يحمل الناس بمختلف الاثقال، لا يشعرهم بأن هناك مقابلا لما يقدمونه او يحتملونه، ولا يدع لهم فرصة للتفاؤل بالمستقبل. حيث لا يلوّح لهم بأي شعاع ضوء في الاجل المنظور، ويظل المطلوب منهم هو الخضوع والاستسلام والمشي بعيون مغمضة مع القطيع السائر نحو المجهول.

هل يمكن ان نقول ان عقل النظام اختطفه الامن، وان السياسة ماتت في مصر، بحيث لم يعد هناك مكان للرفق بالناس والتعاطف مع ظروفهم ورعاية فقرائهم، ومن ثم اصبح القهر هو الحل؟ اننا لا نريد ان نقارن بالديموقراطيات التي يستمد فيها الحكم شرعيته من رضا الناس، فذلك حلم بعيد المنال، وقد صار مجتمعنا من الضعف بحيث لم يعد يتطلع الى رد البلاء وانما بات متمنيا على الله ان يلطف بنا فيه - غدا لنا كلام آخر في الموضوع.

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar